سيد محمد طنطاوي
229
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له . وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى ، ومن تشبه بقوم فهو منهم . ولهذا قال - تعالى - : * ( وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيه بَأْسٌ شَدِيدٌ ) * يعنى السلاح كالسيف والحراب . * ( ومَنافِعُ لِلنَّاسِ ) * أي : في معايشهم كالفأس والقدوم . . وغير ذلك « 1 » . هذا ، ومن المفسرين الذين فصلوا القول في منافع الحديد ، وفي بيان لما ذا خصه اللَّه - تعالى - بالذكر : الإمام الفخر الرازي فقد قال - رحمه اللَّه - ما ملخصه : ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله اللَّه سهل الوجدان ، كثير الوجود . والذهب لما كانت حاجة الناس إليه قليلة ، جعله اللَّه - تعالى - عزيز الوجود . وبهذا تتجلى رحمة اللَّه على عباده ، فإن كل شيء كانت حاجتهم إليه أكثر جعل الحصول عليه أيسر . فالهواء - وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه - جعل اللَّه تعالى - الحصول عليه سهلا ميسورا . . فعلمنا من ذلك أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر ، كان وجدانه أسهل . ولما كانت الحاجة إلى رحمة اللَّه - تعالى - أشد من الحاجة إلى كل شيء ، فنرجوه من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا ، كما قال الشاعر : سبحان من خص العزيز بعزة والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي نفس ، فمحتاج إلى أنفاسه « 2 » وقوله : - سبحانه - : * ( ولِيَعْلَمَ اللَّه مَنْ يَنْصُرُه ورُسُلَه بِالْغَيْبِ . . ) * معطوف على محذوف يدل عليه السياق . والمراد بقوله : * ( ولِيَعْلَمَ ) * أي : وليظهر علمه - تعالى - للناس ، حتى يشاهدوا آثاره . أي : وأنزل - سبحانه - الحديد لكي يستعملوه في الوجوه التي شرعها اللَّه وليظهر - سبحانه - أثر علمه حتى يشاهد الناس ، من الذي سيتبع الحق منهم ، فينصر دين اللَّه - تعالى - وينصر رسله ، ويستعمل نعمه فيما خلقت له حالة كونه لا يرى اللَّه - تعالى -
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 315 . ( 2 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 29 ص 243 .